الشنقيطي
499
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ولم يفهم عمر من قوله : « أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللّه ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقهم » « 1 » - قتال مانعي الزكاة ، حتى بين له الصديق فأقر به . وفهم قدامة بن مظعون من قوله تعالى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا [ المائدة : 93 ] رفع الجناح عن الخمر ، حتى بين له عمر أنه لا يتناول الخمر ، ولو تأمل سياق الآية لفهم المراد منها ، فإنه إنما رفع الجناح عنهم فيما طعموه متقين له فيه ، وذلك إنما يكون باجتناب ما حرمه من المطاعم ؛ فالآية لا تتناول المحرم بوجه . وقد فهم من فهم من قوله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [ البقرة : 195 ] انغماس الرجل في العدو ؛ حتى بين له أبو أيوب الأنصاري أن هذا ليس من الإلقاء بيده إلى التهلكة ، بل هو من بيع الرجل نفسه ابتغاء مرضاة اللّه ، وأن الإلقاء بيده إلى التهلكة هو ترك الجهاد والإقبال على الدنيا وعمارتها . وقال الصديق رضي اللّه عنه : أيها الناس ، إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [ المائدة : 105 ] وإني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم اللّه بالعقاب من عنده » « 2 » فأخبرهم أنهم يضعونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلاف ما أريد بها . وأشكل على ابن عباس أمر الفرقة الساكتة التي لم ترتكب ما نهيت عنه من اليهود ، هل عذبوا أو نجوا حتى بين له مولاه عكرمة دخولهم في الناجين دون المعذبين ، وهذا هو الحق ، لأنه سبحانه قال عن الساكتين . وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً [ الأعراف : 164 ] فأخبر أنهم أنكروا فعلهم وغضبوا عليهم ، وإن لم يواجهوهم بالنهي ، فقد واجههم به من أدى الواجب عنهم . فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية ، فلما قام به أولئك سقط عن الباقين فلم يكونوا ظالمين بسكوتهم . وأيضا - فإنه سبحانه إنما عذب الذين نسوا ما ذكروا به ، وعتوا عما نهوا عنه ، وهذا لا يتناول الساكتين قطعا ؛ فلما بين عكرمة لابن عباس أنهم لم يدخلوا في الظالمين المعذبين كساه برده وفرح به . وقد قال عمر بن الخطاب للصحابة : ما تقولون في إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ( 1 ) [ النصر : 1 ] السورة ؟ قالوا : أمر اللّه نبيه إذا فتح عليه أن يستغفر . فقال لابن
--> ( 1 ) سبق تخريجه . ( 2 ) أخرجه : ابن ماجة في الفتن حديث 4005 ، وأحمد في المسند 1 / 2 ، 5 ، 9 .